الملتقى السادس لمنظمة الشورى الإسلامية الأوراسية

03/محرم/1438 - 03/محرم/1438

الملتقى السادس لمنظمة الشورى الإسلامية الأوراسية

وبيانه الختامي

إسطنبول 2

 

اجتمعت الشورى الإسلامية الأوراسية السادسة في إسطنبول خلال الفترة 5 - 9 أيلول 2005، بحضور ممثلين دينيين عن الجمهوريات التركية وبلدان البلقان والقفقاس والجاليات التركية والمسلمة. وناقش الحضور المسائل المتعلقة بالدين والهوية والثقافة في منطقة أوراسية.

فالدين له علاقةٌ وطيدةٌ ووثيقةٌ بالهوية والثقافة. فالدين يعلم الإنسان الهدف النهائي من الحياة، ويمكّنه من النظر إلى الحياة والوجود في نظامٍ شاملٍ قائمٍ على القيم. والشعور بالكينونة والوجود الذي يضفيه الدين على الأشخاص ونمط حياتهم الذي يتأثر بالدين؛ يتحول مع الزمن إلى هويةٍ مجتمعيةٍ وثقافيةٍ.

وتشكل المجتمعات والجاليات المسلمة التي تعيش في منطقة أوراسية، باعتبارها جزءاً من الأسرة الإنسانية، شريحةً هامةً في العالم الإسلامي. وتتغذى القيم الدينية والثقافية لهذه الجاليات المسلمة، من عقيدة الإسلام وعباداته ومبادئه الأخلاقية، ومن التراكم التاريخي للحضارة والثقافة الإسلامية.

وقد أضيفت اليوم مشاكل جديدةٍ على المشاكل الدينية والثقافية والاجتماعية التي خلّفها القرن المنصرم. فالحربان العالميتان الأولى والثانية اللتان وقعتا في القرن العشرين، ومن بعدهما فترات الاستقطاب التي صادفت عصر الحرب الباردة؛ أفضت - كما هو الحال في العالم كله - إلى أزماتٍ جادةٍ لدى المجتمعات والجاليات المسلمة في منطقة أوراسية. والصراعات التي اندلعت في نهاية القرن المنصرم، والتحولات البنيوية التي شهدتها بلاد البلقان والاتحاد السوفياتي، خلقت مشاكل جديدة في المنطقة، وفتحت الباب أمام آمالٍ جديدة.

وكذلك، يتم تسليط الضوء على العالم الإسلامي – بغير حق - باعتباره منطقةً للعنف، وأصبحت أوساط الفوضى التي يتم جرُّ العالم إليها في وضعٍ حرجٍ لا تستطيع الخروج من مشاكلها. لكن الحس السليم لدى المجتمع الدولي وسعيه من أجل التعاون، والانتقاد الذاتي في العالم الإسلام ومبادراته التضامنية؛ تبعث الأمل بإمكانية التغلب على هذه المشاكل.

يملك الزعماء الدينيون في المجتمعات والجاليات المسلمة، التي تعيش في منطقةٍ تمتد من بلاد البلقان إلى القفقاس وآسية الوسطى، الإرادة والعزيمة للقيام بما يقع على عاتقهم، من أجل إحياء الهوية والثقافة والقيم الدينية، وانتشار التسامح والاحترام المتبادل والتعاون والسلام والعدل بين المجتمعات. وما من شكٍ بأن إطلاق نقاشاتٍ واسعةٍ على جميع الأصعدة، وإدامتها، هو أول ما يجب فعله في هذا المضمار.

يمتاز الدين الإسلامي بموقعٍ تاريخيٍ يؤهله لرفع إمكانات إحلال السلام الدائم في منطقتنا والعالم على حدٍ سواء. والشورى الإسلامية الأوراسية تملك منذ البداية بنيةً تمكنها من تقديم إسهاماتٍ هامةٍ في هذا المنحىى، وتجعلها تستمر في الطريق. ويأمل أعضاء الشورى في أن يعرّفوا البشر كلهم على ما تحتويه رسالة الإسلام العالمية من نواحٍ إنسانيةٍ تخرجهم من الظلمات إلى النور.

لا يقبل أعضاء الشورى الوضع المشؤوم الذي يعم اليوم عالمنا، ويمهد الطريق أمام تخريب تراث العالم الإسلامي الديني والثقافي والتاريخي. فالخلل الحاصل بين نظامي القوة والأخلاق لا يهدد المسلمين فحسب، وإنما يهدد البشرية كلها. واستعراض القوة والعنف والإرهاب، الذي يسبب هذا الخلل، تحوّل إلى أزمةٍ أجبرت الجميع على ترك بيوتهم، وبدأ يقطع فواتير باهظةٍ على الناس كلهم، وغدا كابوساً عالمياً.

إن المحاولات الرامية إلى إعلان الإسلام الذي هو دين السلام قوةً تشرّع العنف والإرهاب الذي يتغذى من مصادر الإسلام المختلفة؛ ليس ظلماً للإسلام فقط، بل ظلمٌ للأديان كلها، وللقيم المعنوية التي تبعث الأمل والسكينة في نفوس بني آدم. والشورى الإسلامية الأوراسية تجدد أمنياتها في انتهاء جميع الصراعات على سطح الأرض وعلى رأسها الصراعات الجارية في العراق وفلسطين، وتوقف نزيف الدماء والدموع، وتندد بكل أنواع العنف والإرهاب الذي يُمارس على الأبرياء بذريعة هذه الصراعات.

فيما يلي نعرض للرأي العام النقاط التي أجمع عليها أعضاء الشورى الإسلامية الأوراسية:

قرارات الشورى:

  1. الهوية هي الأداة والوسيلة التي تعرّف المجتمع الإنساني وتمثله. وهوية المسلم تعبر عن الأشخاص الذين يؤمنون بما جاء به الإسلام، ويُعرفون بانتمائهم إلى الإسلام. وهذه الهوية هويةٌ علويةٌ شاملةٌ توحّد ولا تفرّق، ولا تقصي الهوية الجغرافية والإثنية والوطنية، وترفض التمييز الجنسي.
  2. تتعدد المشاكل التي يعيشها المسلمون في منطقتنا والعالم وتتنوع، لكن المشكلة المشتركة هي تلك التي تتعلق بانحلال الهوية، وتآكلها، وحتى ضياعها. فالمحيط الثقافي الذي يزدهر بالهوية يتغير بسرعةٍ، ويضعف تصورات المسلمين المستقبلية تدريجياً.
  3. إن الاتهامات التي لا تستهدف أشخاصاً أو أحداثاً، بل تستهدف الإسلام والهوية الإسلامية، لا سيما في الإعلام الغربي، والمساعي الرامية إلى ربط الإسلام بالعنف والإرهاب؛ تخدم التصورات التي تصف هوية المسلمين بالعنف. فالأحداث التي تثير صراع الحضارات في عالم اليوم، والتدخلات والممارسات المطبقة على العالم الإسلامي؛ تحول تصورات الهوية إلى استعرضٍ لإمكانات العنف. وتصاميم الهوية المناهضة للإسلام، واستراتيجيات الإقصاء والتذليل المتبعة على المسلمين تؤدي في غالبيتها إلى تفاقم العنف العالمي، وتحول دون إبراز وجه الإسلام الحقيقي وتعليمه وتمثيله ونقله.
  4. لا يمكن القبول بأية حجةٍ أو ذريعةٍ للعمليات الإرهابية التي تستهدف الناس الأبرياء. ولا يخفى للعيان أن الصلة التي يتم بناؤها بين أي دينٍ وحركات العنف المجتمعي هي صلةٌ مشوبةٌ ومضللة. وما من شكٍ بأن هذا النوع من العلاقات لا يقبل بها لا الإسلام ولا سائر الأديان. فالمشاكل الأساسية التي تدفع الناس إلى العنف تنبع من عناصر مختلفة. لذلك يجب القيام بتحليلٍ عميقٍ لأوضاع الفقر والفساد المنتشرة في مناطق العنف، بدلاً من البحث عن مصدره الأساسي في أي دين. لا يمكن بناء علاقةٍ بين الإرهاب والدين تقوم على الجوهر. والإسلام في أصله دينٌ يبعث الحياة في النفوس ويحث على العيش بسلامٍ. فالحضارات التي بناها المسلمون على مر التاريخ أظهرت لمراتٍ عديدةٍ أفضل الأمثلة عن عدم السلوك مع الآخرين بالعدائية عند بناء تصورات الهوية. وفي هذا إثباتٌ بأن هذه التجربة لم تحصل صدفةً في فترةٍ من فترات التاريخ، بل هي تجربةٌ قائمةٌ على مبادئ الإسلام الأساسية.
  5. تعمل بعض الحركات حديثة الظهور، التي تنسب نفسها أحياناً إلى الإسلام، على إلحاق الأذى بالإسلام والهوية الإسلامية. هذا الوضع يستدعي تفعيل وعيٍ ينتقد هذه الحركات، ورفض اللامبالاة التي تعني إلقاء المسؤولية على الآخرين.
  6. من الواضح أن الإسلام في منطقتنا كما هو الحال في العالم؛ يعيش مشكلةً جادةً في التمثيل على الصعيد الديني والأخلاقي. لا يمكننا أن نتغلب على المشاكل بإلقاء المسؤولية على الآخرين. والشورى الإسلامية الأوراسية أظهرت ضرورة أن تتنقد المجتمعات الأعضاء ذاتها. إن البحث عن سلطةٍ تمثل المجتمعات المسلمة على الصعيد العلمي والإنساني والأخلاقي معرضٌ اليوم لأن يترك مكانه للعلاقات السياسية والمنفعية. وهذا يتطلب أن يكون كل فردٍ مؤمناً صالحاً وفي مقدمتها الحساسية التي يجب أن تبدى في التمثيل. فالأمر الإلهي فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شأنه أن يكون دستوراً ينبغي العمل به اليوم على جميع الأصعدة والمستويات.
  7. يعيش المسلمون في منطقة أوراسية إما على شكل دولٍ مستقلةٍ أو على شكل أقلياتٍ لها حقوقها المعترَف بها. فتتعدد وتتنوع المشاكل التي هي نتاجٌ طبيعيٌ لهذا التنوع. ومن غير الممكن التغلب على مشاكل المسلمين في هذه المنطقة ما لم يتم تحديد العراقيل التي تقف عائقاً أمام حفاظ المسلمين على وجودهم على الصعيد الإقليمي، ونقاط التوتر التي تنتجها هذه العراقيل. في هذا الإطار تشدد الشورى الإسلامية الأوراسية السادسة على ضرورة أن يقوم مسلمو منطقة أوراسية بجردٍ تامٍ لمشاكلهم في موضوع الهوية والثقافة. فمن أجل إعادة تحديد الأموال الوقفية المفقودة في تراقية الغربية وبلاد البلقان لا بد من الاستفادة من أرشيف الجمهورية التركية.
  8. يتعرض بعض المسلمين الذين يعيشون على شكل أقلياتٍ في أوراسية لانتهاك حقوقهم النابعة من الاتفاقيات التاريخية والمعاهدات القانونية، ويشكل ذلك تعقيداً لحياتهم الدينية وتمثيلهم وهويتهم، ويجعل التعاون بين المسلمين والمجتمعات على حدٍ سواءٍ أمراً لا مفر منه. في هذا الإطار يُنتظر من المعنيين أن يبدوا الحساسية اللازمة فيما يخص إعادة الممثلين الدينيين إلى وظائفهم، علماً بأنهم منتخبين بالإجماع من قبل الجاليات التركية المسلمة في تراقية الغربية، والقانون الدولي يقبل طلباتهم ومراجعاتهم ويصادق عليها.
  9. يتعرض بعض الأقليات المسلمة في أوراسية باستمرار لدعايات دينيةٍ مناهضةٍ تشكل تقييداً لحريتهم في العقيدة والعبادة. وفي هذا السياق لا يمكن القبول بتاتاً بفعاليات التبشير الانتهازية التي تستغل حرمان الناس وسيلة للتأثير على دينهم (prozelitizm) باسم حرية الدين.
  10. لقد تم تدمير القسم الأعظم من التراث الديني الثقافي في ظروفٍ استثنائيةٍ، والباقي يواجه خطر الهلاك نتيجة الإهمال وعدم الاكتراث. لذلك ينبغي الاستمرار في أعمال التعمير والترميم التي تم الشروع بها لحماية هذا التراث بشكلٍ ينسجم مع بنيته الأصلية.
  11. ينبغي أن تستمر اجتماعات الشورى الإسلامية الأوراسية كونها منبراً تتشارك فيه الدول والجاليات والمجتمعات الأعضاء تجاربهم. ينبغي على ممثلي الدول الأعضاء أن يتشاركوا مشاكلهم وتجاربهم وخبراتهم ومعلوماتهم ويعيروا أهميةً بأن يكونوا في اتصالٍ وتفاعلٍ مؤسساتيٍ، وذلك حتى تحقق الفعاليات التي سيتم إنجازها في هذا المجال الديمومة والعمق والجودة العالية. وتركية باعتبارها دولة قانون علمانيةٍ ديمقراطيةٍ، تملك تراكماً وعمقاً تاريخياً يمَكِّنُها من التغلب على مشاكل الهوية التي تقع على كلٍّ من ضفتي أوراسية. كما تقع على جميع المجتمعات والدول الأعضاء مسؤولياتٌ جادةٌ لا سيما فيما يتعلق في حل المشاكل القائمة، وتعويض الخسائر الحاصلة.
  12. ينبغي القيام بأعمالٍ تعزز المؤسسات التي تسيّر خدماتٍ دينيةٍ سليمةٍ من أجل الجاليات المسلمة في أوراسية، والشروع في الأعمال التدريبية التي من شأنها أن تزيد التراكم المعلوماتي أو الخبرات الدينية والمعنوية. ولا بد من تفعيل تراكمات أوراسية في هذا الموضوع.
  13. ينبغي تعزيز التعاون الديني والثقافي والتعليمي بين المجتمعات والجاليات المسلمة في أوراسية. كما ينبغي إنتاج مشاريع ملموسةٍ لتطوير اللغة التركية التي تشكل اللغة الأم واللغة المشتركة لمعظم الجاليات المسلمة في أوراسية.
  14. ينبغي تعزيز البنية المؤسساتية للشورى الإسلامية الأوراسية عبر إحداث جهاز الرقابة والأمانة العامة الدائم، وجعلها تتسم بالوظيفية، والدخول في تعاونٍ مع منظماتٍ عالميةٍ مثل منظمة المؤتمر الإسلامي. ولا بد من إعداد البنية التحتية اللازمة لأن تكتسب الشورى الإسلامية الأوراسية هويةً عالميةً، وتناول المقترحات التي تصب في هذا المنحى في الشورى التالية.
  15. ينبغي على المجتمعات والدول الأعضاء في الشورى الإسلامية الأوراسية أن تشارك تراكماتها مع الأعضاء المتشكلة حديثاً مثل رئاسة الشؤون الدينية بجمهورية شمال قبرص التركية، وتعزز علاقاتها معها.
  16. ينبغي أن تضم الشورى الإسلامية الأوراسية إلى بنيتها، مشاركين من مسلمي العوالم الأخرى لا سيما أولئك الذين يعيشون في أروبة، بصفتهم ممثلين أو مراقبين.
  17. ينبغي تشكيل مجموعات عملٍ ثانويةٍ في بنية الشورى الإسلامية الأوراسية، وتكوين أوساط عملٍ محليةٍ حسب الحاجة، خارج اجتماعاتها العامة، ودراسة المشاكل الإقليمية في الشورى اللاحقة.
  18. ينبغي تشكيل "لجنة النيات الحسنة" تمثيلاً للشورى في العلاقات الدينية الثقافية، والقيام بالمبادرات العاجلة في حالات الخلاف.
  19. ينبغي نشر نشرةٍ بعنوان "تقرير أوراسية" دورياً بإشراف الأمانة العامة للشورى الإسلامية الأوراسية، وذلك لرصد المشاكل التي يعيشها الدول الأعضاء وممثليها، والتطورات الأخرى في المنطقة، ووضعها بين يدي الرأي العام العالمي.
  20. ينبغي القيام بأعمالٍ خاصةٍ من أجل الأسرة والمرأة والشباب والأطفال الذين لهم مكانةٌ هامةٌ جداً في الحفاظ على الدين والثقافة وتطويرهما، وإعداد كتيّبات "سلسلة الأسرة" التي تتضمن مبادئ الإسلام في مجال الأخلاق والعبادة والعقيدة، والحياة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية.
  21. ينبغي ترجمة بعض الكتب الأساسية إلى اللغات المحلية ونشرها، حتى تنتشر المعلومات الدينية السليمة.
  22. ينبغي فتح صفحة ويب خاصة بالشورى لتسريع الاتصال بين أعضائها، والقيام ببرنامجٍ دينيٍ أخلاقيٍ، يخاطب أوراسية عبر قناة TRT-İnt بالتعاون مع قناة TRT. 
  23. تعلن الشورى الإسلامية الأوراسية السادسة أن ديناميتها الأساسية هي التسابق في الخير بين المسلمين والأسرة الإنسانية، والابتعاد عن الشر، والعمل بالمعروف والنهي عن المنكر.